من بين كل الأهداف المالية، هذا أكثرها تأجيلًا وأقلها إلحاحًا في الشعور، وأشدها أثرًا حين يحين موعده. فالمرحلة التي يتوقف فيها الدخل من العمل تأتي حتمًا — إما باختيار أو بظرف — ومع ذلك يتعامل معها كثيرون كأنها أمر بعيد يخص شخصًا آخر.
والسبب في هذا التأجيل مفهوم: أن كل الأولويات الأخرى أقرب وأوضح وأكثر إلحاحًا. فالسكن والتعليم والالتزامات والطوارئ كلها تطالب بحصتها الآن، وهذا الهدف لا يطالب بشيء ولا يعاقب على تجاهله في الوقت الحاضر. ولهذا يُترك لآخر القائمة، ثم يُنسى، ثم يصبح فجأة قريبًا ولم يعد هناك وقت للتراكم.
والمشكلة أن هذا الهدف تحديدًا هو الأكثر اعتمادًا على الوقت من بين كل الأهداف. فبقية الأهداف يمكن تعويضها بمبلغ أكبر أو بتأجيل أو بتعديل في الخطة، أما هذا فلا بديل فيه عن السنوات. ومن يبدأ متأخرًا يجد أن ما يحتاج تخصيصه شهريًا يفوق ما يستطيع، لا لأنه أقل قدرة بل لأن الوقت الذي كان يعمل لصالحه لم يعد موجودًا.
لماذا يُؤجَّل هذا الهدف تحديدًا؟
فهم أسباب التأجيل يساعد على تجاوزها، لأنها أسباب نفسية وعملية معًا لا إهمال.
فالسبب الأول أن البعد الزمني يجعل الأمر غير محسوس. فالعقل البشري يميل إلى تفضيل المكاسب القريبة على البعيدة، ويصعب عليه أن يشعر بأن الشخص الذي سيكون عليه بعد عقود هو نفسه اليوم. ولهذا يبدو الادخار لتلك المرحلة كأنه تضحية لصالح غريب.
والسبب الثاني أن الرقم المطلوب يبدو ضخمًا إلى درجة الشلل. فمن ينظر إلى المبلغ اللازم لتغطية سنوات بلا دخل يجد رقمًا يبدو مستحيلًا، فيؤجل التفكير فيه كليًا بدل تقسيمه على السنوات المتاحة.
والسبب الثالث الاعتماد على افتراضات غير محسوبة: أن هناك ما سيغطي هذه المرحلة، أو أن الأبناء سيتحملون، أو أن الظروف ستكون أفضل. وهذه افتراضات قد تتحقق جزئيًا وقد لا تتحقق، والبناء عليها دون حساب مخاطرة.
والسبب الرابع أن الأولويات القريبة تستهلك كل المساحة. فمن يمر بمرحلة تكوين وبناء يجد التزاماته الحاضرة تستنفد دخله، ويبدو التخصيص لهدف بعيد ترفًا لا يحتمله.
والسبب الخامس أن كثيرين لا يعرفون كم يحتاجون أصلًا، والغموض في الرقم يقود إلى تأجيل التفكير فيه.
لماذا يهم البدء المبكر إلى هذا الحد؟
الفارق بين البدء المبكر والمتأخر في هذا الهدف أكبر منه في أي هدف آخر، وذلك لسببين يتضاعف أثرهما معًا.
فالسبب الأول هو أثر التراكم عبر الزمن. فالمال الذي ينمو ويُعاد نموه إلى الأصل يتسارع كلما طالت المدة، والسنوات الأخيرة في أي خطة طويلة هي التي يحدث فيها معظم النمو. ومعنى ذلك أن كل سنة تأجيل لا تُخصم من بداية الخطة بل من نهايتها، أي من الطرف الأكثر أثرًا.
وهذا يفسّر لماذا قد يصل من بدأ مبكرًا بمبلغ متواضع إلى نتيجة تفوق من بدأ متأخرًا بمبلغ أكبر بكثير. فالوقت في هذه المعادلة ليس عاملًا مساعدًا بل عاملًا أساسيًا لا يمكن شراؤه لاحقًا بأي مبلغ.
والسبب الثاني أن المبلغ الشهري المطلوب يرتفع بشكل حاد كلما قصرت المدة. فنفس الهدف موزعًا على ثلاثين سنة يحتاج مبلغًا شهريًا قد يكون في المتناول تمامًا، وموزعًا على عشر سنوات يحتاج مبلغًا قد يكون مستحيلًا. والفرق بين الحالتين ليس في قدرة الشخص بل في متى بدأ.
ويضاف إلى ذلك عامل ثالث: أن التضخم يعمل على هذا الهدف أكثر من غيره بحكم طول المدة. فما تحتاجه بعد عقود ليس ما تحتاجه اليوم، وحساب الهدف بأسعار الحاضر يعطي رقمًا لن يكفي حين يحين الموعد، كما شرحنا في مقال التضخم والزمن.
كيف تقدّر المبلغ الذي تحتاجه فعلًا؟
التقدير هنا تقريبي بطبيعته لأن المدة طويلة والمتغيرات كثيرة، لكن التقدير التقريبي أنفع بما لا يقاس من غيابه.
فابدأ بحساب مصروفاتك الأساسية الشهرية اليوم، أي ما تحتاجه فعلًا للعيش بمستوى مقبول دون البنود الاختيارية. وهذا الرقم هو الأساس، وهو يختلف عن مجموع مصروفاتك الحالية لأن بعض بنودك قد تنتهي بحلول تلك المرحلة وبعضها قد يظهر.
ثم فكّر في ما سيتغيّر: فبعض المصروفات تقل في تلك المرحلة كتكاليف العمل والتنقل والالتزامات التي ستكون قد انتهت، وبعضها قد يزيد كالمصروفات الصحية. والتقدير المعقول أن تفترض مستوى قريبًا من مصروفاتك الأساسية الحالية لا أقل بكثير.
ثم عدّل هذا الرقم ليعكس ارتفاع الأسعار على مدى السنوات المتبقية، فما يكفي اليوم لن يكفي بعد عقود بنفس المبلغ.
ثم قدّر عدد السنوات التي ستحتاج فيها هذا الدخل، وهذا تقدير صعب لكنه ضروري، والأسلم أن يكون متحفظًا أي أن تفترض مدة أطول لا أقصر.
ثم اضرب المصروف السنوي المعدّل في عدد السنوات، فتحصل على تقدير تقريبي للمبلغ المطلوب.
ثم اطرح من هذا الرقم أي مصادر دخل متوقعة في تلك المرحلة، فالمطلوب منك تغطيته هو الفجوة لا الرقم كاملًا.
ثم اقسم الناتج على عدد الأشهر المتبقية حتى تلك المرحلة، لتحصل على المساهمة الشهرية المطلوبة.
والرقم الذي يخرج معك قد يكون مفاجئًا في الاتجاهين: إما أقل مما تتوقع لأن المدة طويلة، أو أكبر مما تستطيع. وفي الحالة الثانية، المعرفة نفسها مكسب لأنها تتيح التعديل الآن بدل اكتشاف الفجوة بعد عقدين.
أين يقع هذا الهدف في ترتيب أولوياتك؟
هذه نقطة تحتاج صراحة، لأن الترتيب الشائع في الأذهان ليس الأسلم.
فالميل الطبيعي أن تُقدَّم أهداف الأبناء والأسرة على هذا الهدف، وهذا مفهوم عاطفيًا. لكن المنطق المالي يقول إن الاستعداد لمرحلتك يسبق كثيرًا مما يُقدَّم عليه، وليس ذلك أنانية بل حماية للجميع.
والسبب أن أهدافًا أخرى لها بدائل، وهذا ليس لها. فتعليم الأبناء قد يُموَّل بمنح أو بعمل أو ببرامج مرنة أو بتمويل، ومصروفات كثيرة يمكن تأجيلها أو تقليلها، أما مرحلة بلا دخل فلا بديل فيها سوى ما تكون قد بنيته.
ومعنى ذلك أن من يضحّي باستعداده لتلك المرحلة لأجل أهداف أخرى قد يجد نفسه لاحقًا معتمدًا على أبنائه في وقت يبنون فيه حياتهم ويؤسسون أسرهم. فالتضحية التي بدت لصالحهم ترتد عليهم بشكل أثقل مما لو كان قد وازن من البداية.
والترتيب العملي الذي يجمع بين الاعتبارين: أن يكون هذا الهدف حاضرًا دائمًا ولو بمبلغ متواضع، لا أن يُلغى لصالح غيره ولا أن يستهلك كل شيء. فالمساهمة الصغيرة المستمرة على مدى عقود تعطي نتيجة، والغياب الكامل لسنوات لا يمكن تعويضه.
وترتيب الأولويات المالية الذي يعمل عادةً: احتياطي طوارئ أساسي، ثم معالجة الالتزامات مرتفعة التكلفة، ثم بناء متوازٍ بين هذا الهدف وبقية الأهداف بحسب ظروفك، مع الحفاظ على حد أدنى مستمر لهذا الهدف لا يتوقف.
ما الذي يجعل هذا الهدف مختلفًا في إدارته؟
طول المدة يغيّر طريقة التعامل مع هذا الهدف مقارنةً بغيره، وهذا يستحق وضوحًا.
فالمدة الطويلة تعني أن ترك المال جامدًا طوال تلك السنوات يعرّضه لفقدان جزء كبير من قوته الشرائية. فالمبلغ الذي يبقى كما هو رقميًا لعقود يشتري أقل بكثير حين يحين موعده، وهذا يفرغ الادخار من غرضه.
وفي المقابل، المدة الطويلة تتيح تحمّل تقلب لا يتحمله هدف قريب، لأن الوقت يسمح بتعويض الانخفاضات. وهذا ما شرحناه في مقالي المخاطرة والتنويع.
ومعنى ذلك أن التوجه المناسب يتغيّر مع المرحلة: مساحة أوسع للنمو حين تكون المدة طويلة، وميل تدريجي نحو الاستقرار كلما اقترب الموعد. فمن يبقي توزيعه كما هو من البداية إلى النهاية يواجه مخاطرة في أسوأ توقيت، أي حين لا يبقى وقت للتعويض.
وهذا قرار يعتمد على ظروفك ومدتك وتحمّلك، ويستحق استشارة مختص مرخّص عند الحديث عن مبالغ معتبرة ومدد طويلة، لأن الخطأ فيه لا يظهر إلا بعد سنوات يصعب فيها التدارك.
ماذا لو بدأت متأخرًا في هذا الهدف؟
هذا وضع كثير من الناس، والتعامل معه بواقعية أنفع من الشعور بالفشل.
فأول ما يجب إدراكه أن البدء المتأخر أفضل من عدم البدء إطلاقًا. فحتى المدة القصيرة تعطي شيئًا، والفارق بين لا شيء وبين شيء ما أكبر من الفارق بين مبلغ وآخر أكبر منه.
والخيارات المتاحة عند التأخر ثلاثة، وغالبًا تُستخدم مجتمعة لا منفردة.
فالخيار الأول رفع المساهمة الشهرية إلى أقصى ما تستطيع، وهذا يتطلب مراجعة جادة للمصروفات وللالتزامات وربما لمستوى المعيشة. والفترة التي تسبق المرحلة مباشرةً — حين تكون الالتزامات الكبرى قد انتهت والأبناء قد استقلوا — تكون غالبًا أفضل فرصة لرفع المساهمة بشكل حاد.
والخيار الثاني تمديد فترة العمل، ولو جزئيًا. فكل سنة إضافية تعمل فيها تعطي أثرًا مضاعفًا: سنة إضافية من الادخار، وسنة أقل من السحب، وسنة إضافية للتراكم. وهذا الخيار له أثر أقوى مما يبدو.
والخيار الثالث تعديل التوقعات بشأن مستوى المعيشة في تلك المرحلة، وهذا خيار مشروع لا تنازل. فمن يخفض تقديره لمصروفاته الأساسية بشكل واقعي يقلل الفجوة بشكل ملموس.
ويضاف إليها خيار رابع يستحق النظر: بناء مصدر دخل يمكن أن يستمر في تلك المرحلة، سواء كان مهارة تُمارس جزئيًا أو نشاطًا لا يعتمد على حضور كامل. فالدخل ولو المتواضع في تلك المرحلة يقلل ما تحتاج سحبه بشكل كبير.
أخطاء شائعة في هذا الملف
من أكثرها التأجيل حتى تتحسن الظروف، وهذه لحظة لا تأتي غالبًا لأن الالتزامات تنمو مع الدخل.
ومنها الاعتماد على افتراضات غير محسوبة عن مصادر دخل مستقبلية أو عن دعم من آخرين.
ومنها التخطيط بأسعار اليوم لمرحلة بعد عقود، فيصل المبلغ ولا يكفي.
ومنها إلغاء هذا الهدف كليًا لصالح أهداف الأبناء، فترتد التضحية على الجميع.
ومنها خلط هذا الادخار بالمدخرات العامة، فيُستهلك في أهداف أقرب دون قرار واعٍ.
ومنها ترك المبلغ جامدًا طوال عقود دون إدراك أثر فقدان القوة الشرائية.
ومنها عدم مراجعة الخطة دوريًا، فتتقادم الأرقام والافتراضات معًا.
ومنها التوقف عن المساهمة عند أول ضائقة بدل تخفيضها مؤقتًا، فينكسر التراكم ويصعب استئنافه.
متى تراجع هذه الخطة وتعدّلها؟
هذا الهدف يمتد عقودًا، ولهذا يحتاج مراجعة دورية لا يحتاجها هدف قصير.
فراجع سنويًا مقدار مساهمتك، وارفعه كلما تحسّن دخلك أو انتهى التزام. فالمساهمة التي كانت مناسبة قبل خمس سنوات قد تكون منخفضة اليوم.
وراجع الرقم المستهدف كل بضع سنوات، فتقديرك لمصروفاتك المستقبلية يتغيّر بتغيّر ظروفك ومستوى معيشتك وارتفاع الأسعار.
وراجع افتراضاتك عن مصادر الدخل المتوقعة في تلك المرحلة، فقد تتغيّر.
وراجع توجهك في إدارة المبلغ كلما اقتربت المدة، إذ يميل الأنسب تدريجيًا نحو الاستقرار.
وراجع عند أي تغيّر جوهري في حياتك: تغيّر في الدخل، أو في الالتزامات، أو في الوضع الأسري، أو في الصحة.
الرقم الذي يستحق أن تعرفه اليوم
خصص ثلاثين دقيقة واعمل حسابًا تقريبيًا واحدًا.
اكتب أولًا مصروفاتك الأساسية الشهرية اليوم، أي ما تحتاجه للعيش بمستوى مقبول دون البنود الاختيارية.
ثم اكتب عدد السنوات المتبقية حتى المرحلة التي تتوقع فيها توقف دخلك من العمل.
ثم اضرب المصروف الشهري في اثني عشر لتحصل على مصروف سنوي، ثم في عدد السنوات التي تتوقع أن تحتاج فيها هذا الدخل.
والرقم الذي يخرج معك هو تقدير أولي بأسعار اليوم، وسيكون أكبر منه فعليًا بحكم ارتفاع الأسعار.
ثم اقسم هذا الرقم على عدد الأشهر المتبقية حتى تلك المرحلة.
وانظر إلى المساهمة الشهرية التي تخرج معك، وقارنها بما تخصصه اليوم لهذا الهدف تحديدًا — وقد يكون صفرًا.
فإن كان الفرق كبيرًا، فهذه ليست دعوة لليأس بل معلومة تتيح لك التحرك اليوم بينما الوقت ما زال في صفك. وإن كنت لا تخصص شيئًا الآن، فابدأ بأي مبلغ مهما كان متواضعًا وبترتيب تلقائي إلى مكان منفصل، فالبدء نفسه هو القرار الأصعب وما بعده تعديل في المقدار لا في المبدأ.
0 Comments